الحقيقة والمجاز – الجزء الأول
مقدمة :
لا شكّ أنّ الأديب صاحب الخيال ، وصاحب الشعور المرهف لا يدرك الأشياء كما هي فحسب، بل يدركها ممزوجة بمشاعره ويضيف إليها من تخيّله،فيثير إعجابنا ويستهوي نفوسنا بتعابير أدبية وبلاغية جميلة
ولهذه التعابير الجميلة أساليب شتى منها: التعبير المجازي
ما هو التعبير الحقيقي؟
التعبير الحقيقي هو استعمال اللفظ في تمام المعنى الموضوع له أصلا
– تستيقظ من النوم، وتتناول فطور الصباح
– تدير كرسيّك باتجاه الرّكاب الآخرين
الجملتان تعبران عن أفكار الكاتب تعبيرا حقيقيا، بمعنى أنّ الألفاظ المستعملة مستوحاة من الحقيقة والواقع ولم تتجاوزهما ، ومستعملة في مواضعها كما وُضِعت لأول مرّة. فـ”تستيقظ”و”النوم”،”وتتناول”و”تدير”…..الخ كلّها ألفاظ واضحة المعنى، مقبولة عقلا لا يختلف في فهمها اثنان، لأنها مستعملة استعمالا حقيقيا كما اتفق العرب أول مرّة، والقارئ لا يقع في حيرة من أمره في تحديد المعنى المطلوب
ما هو التعبير المجازي؟
المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وُضِع له في الأصل ، مع قرينة مانعة صارفة من إرادة المعنى الحقيقي
– تتّجه صوب سيارتك فتركبها وتترك لها العنان
– لأن كل واحدة منها ذكيّة
في هذين المثالين ألفاظا حقيقية مستوحاة من الواقع فهي متطابقة فعلا معه ولم تتجاوزه ،مثل: تتجه، سيارتك، تركبها، واحدة…
لكن: ما رأيك في “العنان”؟ وفي “ذكيّة”(وأنت تتحدث عن السيارة)؟
هذه ألفاظ لا تعبّر حقيقة عن السيّارة، لأن معانيها غير موجود في السيّارة، فليس للسيارة ذكاء، وليس للسيارة عنان كعنان الفرس.
إذن لماذا استعملت هذه الكلمات هنا؟
هذه الكلمات مستعملة في غير ما وضعت له أصلا(وضعت ” العنان” في الأصل للفرس، ووضعت كلمة “ذكية” لوصف إنسان)، واستعمالها هنا مجازا لوجود علاقة بين الحقيقة والمجاز ،أي بين الفرس والسيارة، وبين الإنسان والسيّارة.
فما هي هذه العلاقة؟ هي علاقة مشابهة
ما لذي يثبت أنني أقصد من وراء كلامي السيارة وليس الفرس والإنسان؟
إنها القرينة الصارفة المانعة من إيراد المعنى الحقيقي. والقرينة الصارفة يُستعان بها في مجال الحقيقة والمجاز، حيث تَصرِف المعنى المتبادر عن الذهن أعني المعنى الحقيقي، فتجعلني لا أفكر في الحصان والإنسان بل أفكر في شيء آخر هو السيارة
ما هي القرينة الصارفة أو المانعة؟
القرينة تعني العلامة المقارنة للفظ
والقرينة الصارفة أو المانعة يُستعان بها في مجال الحقيقة والمجاز، حيث تَصرِف المعنى المتبادر عن الذهن أعني المعنى الحقيقي. وتوّلك للمعنى المجازي
– رأيت أسدا
– رأيت أسدا في الحلبة
إنّ هذه المثال يدل على الحقيقة ، فأنت رأيت أسدا حقيقيا لأنه لا يوجد ما يمنع من أن تفهم هذا الفهم
وقد تقول أنا لا أقصد أسدا حقيقيا إنما أقصد إنسانا قويا كالأسد، هنا نطالبك بقرينة تأتي بها لتمنعنا من أن نفهم أن الأسد حقيقيا، فتضيف إلى كلامك مثلا: رأيت أسدا في الحلبة
كلمة الحلبة” تسمى قرينة اقترنت بكلمة الأسد لتمنع من وقوع المعنى الحقيقي، فلا يمكن بعد هذا أن تقول : أقصد أسدا حقيقيا، لأن الأسد الحقيقي لا يكون في الحلبة
ما العلاقة التي تربط الحقيقة بالمجاز؟
لا يمكن استعمال كلمة ما مجازا إلا إذا كان لها معنى حقيقي ، والذي يسمح لنا بتوظيف الكلمة مجازا بعد ان نخرجها من الحقيقة هو وجود علاقة بين الحقيقة والمجاز، قد تكون هذه العلاقة تشبيها وقد تكون غير ذلك؟
فإن الناس سيبقون متعطشين إلى المزيد من السرعة
العطش هنا كلمة مجازية فليس المقصود منها العطش إلى الماء، لأن القرينة” السرعة” تنعنا من فهم ذلك، فلماذا استعملت كلمة ” متعطشين” مجازا هنا؟
إنّ العلاقة بين “الحقيقة” وهي العطش للماء، والمجاز وهو” العطش للمعرفة” علاقة تشابه، فكلاهما يدفعك إلى البحث وطلب المزيد منه حتى الارتواء.
إذن أين المشبه به” الماء”؟ والأداة؟
هذا ما تعرفه في درس ” الاستعارة لا حقا”.
ليست هناك تعليقات: